محمد بن عبد الجبار بن الحسن النفري
8
الاعمال الصوفية
المدينة المنسيّة على بهائها السماوي وعراقتها الأرضية . تنجرف من حولها الإمبراطوريات والدول : السومرية ، والبابلية ، والآشورية ، والأخمينية ، والساسانية ، والعربية ، وتتبدل فيها اللغات : السومرية والبابلية والآرامية والعربية ، وتتعاقب على أرضها الديانات بمعبوداتها المختلفة : إنليل ، نبو ، مردوك ، اليهودية ، المسيحية ، المانوية ، الإسلام . ومع هذا التعاقب الخارجي يظلّ كل شيء محافظا على جوهره ، يظل المعبد معبدا وإن تغيرت الديانات حوله ، ويظل « بيت الألواح » مدرسة وإن تغير لسان الطلاب الدارسين فيه . في نفّر ، يراودك الشعور بأن التاريخ متصل يكرّر نفسه عبر سلسلة من القطائع . ومن نفّر هذه استمدّ « النفري » لقبه . الخلفية التاريخية هناك اتفاق بين المصادر على أن اسمه هو محمد بن عبد الجبّار بن الحسن النّفّري . ومثل أغلب الشخصيات الإشكالية الكبرى ، تغيب التفاصيل الموثقة لحياته . لكننا نستطيع أن نستخلص من المعلومات المتناثرة أنه عاش حياته زاهدا جوّالا في منطقة سواد العراق الممتدة من المدائن حتى البصرة . ولعلّ إشارة حاجي خليفة إلى أنه توفي سنة 354 هي استنتاج منه يستمده من التذييلات التي رآها على كتبه . ولذلك فإن قصارى ما يستطيع أن يؤكده أي باحث هو أنه توفي بعد سنة 354 ، وأنه عاش الجزء الأكبر من حياته في منتصف القرن الرابع الهجري ، عصر الفارابي والتوحيدي والمتنبي وسواهم من كبار الأدباء والفلاسفة ، متنقلا بين نفر والحلة وواسط والبصرة والمدائن . وقد دفعه الإخلاص لتجربته إلى الإعراض حتى عن تدوينها ، فكان يلازمه شيخ آخر ، هو ابنه أو ابن أخته ، كرّس حياته لجمع شذرات شيخه وتهذيبها ، لعلّ اسمه كان محمد بن عبد الله النفّريّ ، وهو الآخر شخصية شبحية ربما لم يكن سوى امتداد لشخصية شيخه . ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن النفّريّ ، وإن كان ولد في نفّر ، التي اشتقت نسبته منها ، فإنه عاش ومات في مصر « 1 » . وبالتأكيد فإن مثل هذه الملاحظة تستند إلى ما ذكره التلمساني في شرح المواقف بقوله : « إنه كان مولها ، لا يقيم
--> ( 1 ) انظر : مقدمة د . جمال المرزوقي لشرح المواقف للتلمساني ، مركز المحروسة ، القاهرة ، 1997 ، ص 20 . وكذلك انظر مقدمة نشرة كتاب النطق والصمت لقاسم محمد عباس ، دار أزمنة ، ص 19 .